محمد خليل المرادي
289
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
في ليلة وفاته حزينا لموته كئيبا لا يدري كيف يتوجّه ، فرأى في عالم الرؤيا أنه داخل إلى التربة ، وإذا بقبر الشيخ مفتوح وهو جالس على ركبه واضع يديه على ركبتيه متوكئ عليهما . وكان رآه في حال حياته كذلك . فلما رآه قال له : يوسف - بحذف النداء - أخذت على عيسى ؟ خذ على عيسى فإني خلّفته . فاستيقظ . وكان ذلك الوقت آخر الليل ، فتوضأ وذهب إلى عند الشيخ عيسى بن كنان للمدرسة السميساطية ، فرأى ضوءه مشعولا فطلع إلى خلوته ، فرآه يصلي التهجد ، فوقف إلى أن فرغ من الصلاة . فقال له : لولا يرسلك السيد محمد العباسي ما جئت إلى عندنا ، اجلس . فجلس ، فبايعه وأخذ عنه العهد . ثم في ثاني ليلة رأى نفسه داخلا إلى التربة المدفون بها شيخه العباسي وقبره مفتوح والشيخ جالس على الهيئة التي سبق ذكرها . فقال له : يوسف أخذت على عيسى ؟ قال : نعم يا سيدي . فقال : أسعدك اللّه . ثم بعد ذلك أخذته يد التقدير إلى الروم . ولما وصل إليها سكن في حجرة في بعض المدارس غريبا فقيرا لا أحد يلتفت إليه إلى مدة أربعة اشهر . فبينما هو في بعض الأيام جالس ، وإذا بعبد أسود عليه رونق يقول : أين يوسف الشامي ؟ فلم يجبه وظن أنه يطلب أحدا من الأروام ، ولم يخرج إليه . فقال ثانيا : يوسف الشامي الذي جاء من الشام منذ أيام . فأشاروا له إلي « 1 » ، فلما رآني قال لي : كلّم مولاي ، فقام معه إلى أن وصل إلى دار ، فلما دخل على صاحبها استقبله وعانقه وسلّم عليه سلام مودة وصحبة بالغة . وأمره أن يقرئ أولاد خزنته وأمره أن يجيء بأسبابه التي في المدرسة . وفرش له أوضة حسنة ، وعيّن له خادما وعلوفة في كل شهر ، ورقّاه بالمناصب إلى أن أعطي المترجم قضاء بير الأغراض « 2 » ثم برصا ثم قبرص فرحل إليها . وبعد مضي مدته قدم إلى دمشق لوطنه الأصلي زيارة فصادفه التقدير بأن توفي بها . وكانت وفاته في يوم الاثنين لعشرين من صفر سنة اثنتي عشرة ومائة وألف ، وصلّى عليه الشيخ عثمان القطان بالجامع الأموي . ودفن بتربة الشيخ أرسلان . رحمه اللّه تعالى . يوسف الديري - نحو 1101 ه يوسف بن شبلي الديري الشافعي . الشيخ الفاضل الفقيه البارع الصالح أبو المحاسن جمال الدّين نزيل دمشق . أخذ الفقه عن النور علي الكاملي والعربية عن ولده الشمس محمد ، وكتب له إجازة مطولة وقفت عليها مؤرخة بأواخر شوال سنة اثنتين وثمانين وألف . وبرع وحصّل وصار له الفضل التام .
--> ( 1 ) هنا ينقل المرادي مباشرة على لسان المترجم . . . ( 2 ) يعني بلغراد .